
هناك آفة خطيرة
متداولة في العالم ومجتمعاتنا العربية والخليجية للأسف، وهي آفة الحكم على
الأخرين وما ادراك ما الحكم على الأخرين، فتجدنا نحكم من غير ان نشعر على الشكل، لون
البشرة، او اللباس والهندام، أو الاسم والأصل وكثير من الأحيان نحكم على التصرفات،
حتى المسميات الوظيفية و التخصصات الجامعية لم تسلم، بل واحيانا نتطاول الى طريقة التربية،
وكيفية صرف المال و طريقة التفكير واتخاذ القرات في الحياة. وفي أحيان كثيرة يتجاوز
الموضوع حدود الأدب والذوق، ويتعدى الأمر الى الحكم على ايمان المرء والحكم على
دينه وما في قلبه. وانا اعتبره ان حق لي التعبير كالسرطان المستشري في الشعوب يعيش
فينا ويمرضنا، ولا ننكر انه من الأمور التي تغير في العلاقات والسعادات بل
وتسممها، وقد غيرت خريطة المحبة والألفة في حياة الناس وضيعت الظن الحسن الذي
بينهم. وقد جرمه ديننا الإسلامي واعتبره ذنب عظيم، امرنا بالابتعاد عنه، ونهى من
الاقتراب منه، بل ونجسه حين قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا
فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12
فالحكم على الأخرين عادة سيئة نجهل عمقها وابعادها النفسية والروحية
والجسدية، فقد اثبتت الدارسات انها تجلب الى حياة الأنسان المزيد من الدراما والأحزان
والأمراض ايضاً، وسبب يفقدنا حيويتنا و نشاطنا و قوتنا الجسمانية إيضاً، وفي
كتاب” التطهير من الحكم” Judgment detox للكاتبة الأمريكية جابريل برينستون، ذكرت بالتفصيل الدقيق وبالخطوات
كيف ان الحكم على الأخرين يشخص كحالة مرضية واغلب الأحيان تكون “إدمانيه”
يصعب على الأنسان التوقف عنها، بل ولها مفعول على العقل مثل مفعول المخدرات، فهي
تبعدك عن واقعك وعن حياتك وعن عمقك الذي انت في الواقع تتهرب منه. فتجد الأنسان يفضل
ان يكون في ظلام “الغيبة والحش”، ويقوم بتسليط الضوء واسقاط الأحكام والاوصاف
كما يشاء على الأخرين لكي يشعر بالتخدير المؤقت والانفصال عن الواقع، ويحس بالانتشاء
اللحظي الذي لن يشفيه ولن يرضيه، لأنه وللأسف يجد نفسه عائدا الى حزنه وألمه وعدم فهمه
لذاته، والذي يقوده مرة أخرى لتكرار الدخول في دائرة الحكم (الحش)بحثاً ليخدر هذا
الألم وهكذا دواليك.
التوقف عن الحكم، يحتاج الى نية قوية، وتسامح وتصالح مع النفس حقيقي، وحب للذات عالي، وهنا بعض الطرق للتخلص من آفة الحكم على الأخرين:
التجربة: أسال نفسك كم مرة وقعت في فخ الحكم على أحدهم؟ ثم تفاجأت بعد ذلك ان كل ما قلته كان بالفعل ظناً ولم يكن الا حكماً ظالماً ، وليس حقيقة!
الوعي: وهو إدراك في كل مره تحكم فيها، فتقول لنفسك ( هذا حكم) ! وها انا في الدائرة.
التدوين: وهو تدوين في كل مره تمر فيها بحالة حكم، وتكتب ما الشعور الذي احصل عليه بعد هذا الحكم؟ ما هو الشعور او الحدث الذي اهرب منه؟ ستبدأ تظهر لك بعض القصص والأحداث في الطفولة، وفي هذه الحالة تدرك انه هذا السبب او الجذر المسبب لحكمك على الأخرين، ولك ان تقبل نفسك وتطمئنها، ان بإمكانك بوعي ان تستبدل هذه الفكرة المغالطة الى أي من مكارم الأخلاق الحميدة.
· عدم الحكم على النفس: خلال محاولاتك في إيقاف الحكم عن الأخرين انتبه ان تقسو على نفسك بأي شي غير محبب، كازدراء او انتقاص او إحساس بذنب، كي لا تدخل في دائرة جديدة وهي الحكم على نفسك.
وفي الختام أقول أنه في كل مره أقرأ واتعلم علماً جديداً، يٌزرع في قلبي إيمان ان ديني دين عظيم، فرب العالمين لم ينه عن أمر ويجرمه ويشبعه بهذا لطريقة الا وفيه خير لنا، ومنافع نجهلها ولا نعي لها. والاستغفار الدائم طهارة وذكرك الشخص الذي تحكم عليه بالخير والدعاء له تطهير ايضاً، الأيمان بان الله يغفر الذنب ويقبل التوبة، مسامحة النفس، وعدم القسوة عليها فيما أذنب أيضا من الأمور التي تساعد على تشافي الأنسان وإيصاله الى حالة السلام الداخلي المنشودة.
نهلة سليمان السماعيل
