
مرعلى كوكب الأرض خمسة عصور وهي العصور الأربعة المعروفة، الصيد و الزراعة والتجارة والصناعة ثم العصر الخامس والذي نعيشه وهو عصر التقنية و المعلوماتية وما يعرف ب(المعرفة)، وقد بدأ عصر المعرفة من القرن الماضي، وهو زمان ابائنا او اجداد البعض منكم، حيث كان زمان عطش المعلومة و التسابق على حفظها و كان الشاطر اللي عنده معلومة اكثر من غيره، فتجد الواحد منهم يحفظ الكم الكبير من القصائد و لديه تواريخ الكثير من الأحداث التاريخية و السياسية المهمة، إضافة الى أسماء العلماء و عواصم المدن و غيرها من المعلومات، فيصبح عقل الواحد منهم كأنه “هارد دسك” مليء بالكثير من الصور والاحداث و الأسماء و الأرقام. وتسابق الكتاب على تأليف كتب فقط لزيادة معلوماتك واثراء عقلك، وصممت المسابقات الثقافية، الفكرية والألغاز، وسطرت الكثير من الصحف اليومية بهل تعلم؟ وحصل في مثل هذا اليوم، وخرجت لنا برامج تلفزيونية كثيرة مثل بنك المعلومات، حروف و من يربح المليون.
تزامن هذا العصر مع عصر التكنلوجيا وأصبح الجيل الحالي مولع بالتكنلوجيا، وأصبح الأمي والمتأخر هو الذي لا يعرف كيف يستخدم الكمبيوتر وكيف تشغل الأجهزة الذكية وكيف تدار محركات البحث، فكل شيء حولنا تكنلوجي الآن. وغزت التقنية الجديدة عالمنا وقامت بكل ذكاء بدمج المعلومات مع الأجهزة الذكية وسهلو الوصول اليها، فتجد أصغر واحد في العائلة بإمكانه وبضغطة زر أن يخبرك من هو قائد المسلمين في غزوة بدر، كم كان عددهم، ويستطيع أن يذكر لك أسماء مدن ورؤساء جميع الدول إن اردت، وامور أخرى لا تتصورها. فالأمر لا يحتاج الى عبقرية ولا إلى ذاكرة حديدية بل تكنلوجيا. فسحقت بذلك اهمية المعلومات وهمشت من غلاء امتلاكها كما كانت في السابق.
وما أدهشني حقاً وسيدهشك بكل تأكيد أن عصر التكنلوجيا والمعرفة أيضا ستقل أهميته، وسيصبح حاله مثل حال كل العصور، وسيحل محل عصراَ ذهبي جديد، وهو عصر الحكمة. وهو عصر لا يعنى بالكم الهائل من المعرفة او المعلومات التي لديك كما كان في السابق، بل بالكيفية التي تستطيع ان تعمل وتستفيد وتصنع منها شيئاً مميزاً تفيد به نفسك، مجتمعك والأخرين. فلو كنت مدرساً مثلا اجعل من المعرفة اليه ذكيه تقوم بها بتسهيل عملك كمدرس، اما بإيجاد طرق ترفيهية أكثر، او استخدم الجرافكس في الشرح. او احضر لهم أينشتاين بشكل ثلاثي الأبعاد ليتحدث الطلاب معه. وهذا فعلاً ما تقوم به الدول المتقدمة في مدراسها ومؤسساتها الأن، فتتصدر اليوم الدول الإسكندنافية وماليزيا اعلى مستوى للتدريس على قائمة العالم، في حين نجد ان شركة قوقل وما تقدمه من خدمات ترفيهية للموظفين وتسابق به كل الشركات الأخرى. ولهذا هي من تسيطر على سوق العمل تتفوق وتتحكم في السوق بهذا التميز.
عصر الحكمة يا سيدي القارئ تعني الجمع بالاستفادة القصوى واستغلال المعلومة المتوفرة بطريقة ذكية، وهو المزج بين ما تقرأ وتبحث وبين عملك وخبرتك ورسالتك في الحياة. فلنكن أكثر تركيزا في رصد كل المعرفة للهدف او الرسالة التي نريد، ولنكن أكثر وعياً في اختياراتنا للمعلومات الوفيرة ولا نغرق في كل شيء. واخيراً أقول العمل اليوم أصبح بذكاء وحكمة وليس بتعب، فتفوق على نفسك كل يوم بالاقتراب أكثر الى هذا المزج وتحقيق بصمتك في الحياة، فهذا عصرك يا حكيم.
نهلة سليمان السماعيل