
عندما تعرف ان الحياة أجمل من ان تُدرك بالمنطق، وان الأشياء الصغيرة قد تكون أفضل من الأشياء الكبيرة، بل في بعض الأحيان هي المحرك والمشغل لها، فالطفل الصغير الذي يستسقي من والديه معاني الحياة البسيطة، كابتسامة الرضا، حضن الأمان، أو قبلة الفخر، تصنع الأعاجيب فيه ليعيش ويكبر ويكون النسخة الأفضل منه. اتعرف ايضاً ان هذا الطفل الصغير الذي بداخلك سيظل يبحث ويبحث بكل الطرق عن هذه الأشياء الصغيرة والتي تترجم في انها (الحب والأمان )وهي كل ما يحتاج، سواء كانت من نظرة امه الحانية، أومن استماع ابيه بلهفة لما يقول، أوعن لمسات منهما تدخل الى قلبه كل المشاعر والسكينة التي يريد وليكتمل نضجه وحاجته الإنسانية للنمو العاطفي.
فالوالد الذي يسأل فقط عن الإنجاز والعلامات والشهادات والتحقيق ويضع حبه على هذا المحك ، والأم التي توقف دعائها ورضاها مجرد وجود اختلاف في وجهات النظر مع أبنائها، والأخوة الذين يبخلون بكلمة ونصيحة لبعضهم البعض، لعدم معرفة كيفية ان يكونوا داعمين، مشجعين ومحبين بلا شروط ولا أحكام يؤثرون فينا والى الأبد. فعندما نكبر ويكون في داخلنا نقص كبير لهذه المشاعر، والتي لم نأخذها من بالشكل الكافي أو الصحيح، نبدأ بترجمتها الى عمل مكثف الانغماس في ماديات الحياة لنشبع هذا الاحتياج. وسنجهل بالتالي كيفية إعطائها للأخرين في معظم الأوقات، فنبخل بها وكانعكاس اكيد يبخل الأخرون علينا في العطاء. وزيادة على ذلك نبدأ في لوم احبتنا أيضاً في عدم توفيرها لنا بالشكل المطلوب، فبالتالي نكبر ونصادق ونتعرف على أناس، نتزوج وننجب، وتتكرر الدائرة مره أخرى، ونظل نسأل عن كيف الحال؟ (والمقصود به هو كيف وضعك حالياً)، أكثر من ان نسأل عن كيف البال(أو كيف الشعور ومزاجك حالياً) وهو الأهم!
وقد وجدت في عملي كمدربة حياة ان الكلمات البسيطة الصادقة المطمئنة مني قد تصنع فرقاً كبيراً في حياة عميلاتي، في حين ان كلمة من أبيها، أمها، شريك حياتها أو حتى صديقتها قد دمرتها لسنوات، واشاحت عن عينيها وروحها أي امل في ان تكون ما تريد ان تكون. اعط نفسك ان تجرب في ان تحتضن أحدهم فقد قريباً او عزيزاً لتشعره ان كل شي سيكون على ما يرام. ولأنها من أكثر الأمور التي يحتاجها الأنسان الذي يشعر بالخوف وعدم الأمان من أي شي اخر مادي على وجه الأرض. هل فكرت مثلاً فيما يشعر به العامل او العاملة البسطاء طوال يومهم، وماذا سيوثر عليه لو سألت عن شعوره اليوم؟ وكيف شعوره وهو هنا لمساعدة نفسه وعائلته؟ وكيف شعوره في تحقيق بعض أحلامه واحلامهم، وفيما لو طبطبت على كتفه قليلاً، لتشعره أنك ستكون بقربه فيما لو احتاج امراً.
الحياة مبينة على الكثير من المشاعر، ونحن كائنات وكتل شعورية، والتي تبعد عن العقلانية التي اتخذنها منهاجاً وطريقاً، الحياة تبادل مشاعر، وتبادل احاسيس، من شكر، امتنان، حب وفرح. ولو فكرت في نهاية اليوم كيف هو شعوري الآن، وكيف كان بالي، بدلا من كيف الحال التي لا يخرج منها إلا للأسف كلمة “ماشي” او “تمام”، ولا “خليها على ربك” وتكون كلها على مضض، وتنسى الكم الهائل من النعم والسعادات من مشاعر حولك، كن انساناً شعورياً لبعض الوقت، واسال نفسك ومن تحب كيف البال؟ بدلا من كيف الحال؟ والتي ستصنع فارقاً في حياتك.
نهلة سليمان السماعيل