تطرقت في مقالي السابق عن سيكولوجية العنف وكيف إن الإعلام قد يساعد على تنشئة جيل عنيف من خلال برامج عائلية وفكاهية مسلية، حيث يتكدس الكثير من العنف المغلف في اللاوعي ليستخدم بطريقة أخرى غير سوية في وقت لاحق نحن في غنى عنها.
وعوده على كتاب “سيكولوجية العنف – أصول الدافع الإجرامي البشري” تعجبت كثيرا في قراءته والتي أطلعتني على الكثير من فهم سيكولوجية المعنفين وطريقه تفكيرهم وأسباب التي تدفعهم له العنف عبر الأزمان.

فقد تطرق كولون ولسون صاحب الكتاب ان هناك عنفاً مختلفاً، وهي حالة تخلق في الأنسان فتحوله الى آلة تدمير وحشية، وهو الأكثر شراسة وذكر مثالاً عليها، حالة بعض الجنود كما حصل في الحرب العالمية، فبعد ان تم ملئ قلب الجندي او المحارب بالكثير من الغل والعنصرية والطائفية وغيرها ويحشى عقله بالانتقام من العدو، تنشأ لديه حالةً نفسية مرضية اسماها الكاتب “الإغلاق” وهي حالة يدخلها في وقت معين قبل الأقدام على القتل الوحشي الشرس فتغلق لديه منافذ التفكير البشري السوي، ويصبح كل ما امامه فقط هو الاستماع للأوامر من قتل وتدمير ويتوقف فكرهم عن التفكير العقلاني ويصبحوا مثل الآلات، فيتجرد كل واحد منهم من أي مشاعر الإنسانية، فيجمد قلبه من الرحمة ويتوقف احساسه عن الشفقة، فيشرع بقتل وتعذيب أي شخص أمامه سواءً شيخ كبير، امرأة او حتى طفل صغير من غير أحساس ولا تأنيب الضمير. وقد يحتاج الأنسان الى علاج مكثف وطويل ليخرج من هذه الحالة ليعود الى حالته الإنسانية السوية.
وهذا في رأيي يشبه ما حصل في الفيديو الذي انتشرفي الشهر الماضي عن الشرطة العنصريين الأمريكيين قاتلي البريء جورج فلويد، لا لشي إلا لأنه اسود، فبعد ان جلس أحد الشرطة البيض بركبته وبكامل ثقل جسده على رقبة المجني عليه لفترة طويلة جدا غير مكترث الى توسلاته للنجاة وبترديده عدة مرات “I can’t Breath””انا لا أستطيع التنفس”، وغير مستجيب إلى تهديد المارة في الطريق بتصويره ونشره في الأعلام، أزهقت روحه متأثراً بانقطاع النفس والاختناق بكل وحشية وبدم بارد. وقد آلم هذا المنظر الكثير حول العالم، وقامت مظاهرات كثيرة في أمريكا لنبذ العنصرية والوحشية دفاعاً لرفع الظلم الذي عانى منه جورج، وكل هذا في وجهة نظري انه بسبب الأغلاق التام في قلب وعقل ومشاعر هؤلاء الشرطة الذين كانوا معه والتي قصدها ولوسون في كتابه.

وأخيرا أقول، ان للعنف سيكولوجيه عجيبة، ويجب ان لا نسكت امام أي معنف بأي شكل من الأشكال، لأنه لربما احتاج لعلاج نفسي مكثف، قبل قبول ادراجه وانخراطه في المجتمع وقبل ارتكابه أي جريمة او ازهاق روح بريئة. إضافة ان يجب أن لا يتم الاستهانة بأي سلوك من أي طفل او مراهق تظهر عليه سلوكيات عنف، لأنها قد تكون بوادر كبت غضب يجب ان تتدارك وتستوعب. ولذلك وجب ترك كل ما يثير الغضب والتحامل مثل العنصرية والقبلية والطائفية والعرقية. ويجب ان نحذر كل الحذر ان نزرعها في نفوس أولادنا واحبتنا لأنها كالبذرة، تزرع وتنمو وتكبر ثم تولد العنف داخل النفوس، وهي أمور قد يفجرها اقل المستثيرات و انسب اللحظات لأنفجارها. فلنكن منصفين عادلين مع الأخرين ومع أنفسنا. ولنتمثل لقول الرسول صلى الله عليه وسلم دعوها فأنها منتنة.
نهلة سليمان السماعيل