( حول برنامج رامز و المجرم تيد باندي)
شاهدت بعض الحلقات من برنامج رامز مجنون رسمي على شاشة MBC المصنف كبرنامج عائلي ويأتي في وقت ذروة مشاهدات موسم رمضان الكريم على أشهر قناة فضائية عربية، ومع انني مع البرامج المسلية والخفيفة مثل الكاميرا الخفية التي ترينا اندهاش الانسان وتصرفاته الطبيعية في ظروف متعددة، الا ان هذا البرنامج لم أجد فيه الا الاستخفاف بعقل المشاهد العربي، وقد بطن في محتواه الكثير من العنف والجشع المادي والطمع للشهرة وخطف الأضواء. فقد كان مقدم البرنامج رامز جلال يمثل دور الجلاد أو المعذب، فنجده يفاجأ الضيف باقتحامه صارخاً من غير توقع من لوحة ورقية من امام الضيف المكبل في كرسي وكأنه كرسي تعذيب، لكي يرسم عليه ملامح الخوف والترويع ليشد المشاهد الى تكملة الحلقة، ثم يبدأ تسلسل التعذيب بالصعق الكهربائي وبتحريك الكرسي بطريقه عشوائية مفزعة. بعد ذلك يطلب رامز من ضيفه تلبيه طلبات ساذجة معتوهة كالغناء له، ثم يجبر رامز بكل فضاضة ان يسب الضيف نفسه او يقلل من شأنه. ناهيك عند بث إحساس التعالي والتعظيم لذاته لدرجة ان الناس تترجاه وتحلفه بالله ان يتوقف لكن ما من مجيب.

فمن وجهة نظري كمدربة تطوير ذات ومهتمة بالوعي وسيكولوجيا الأنسان، ان ما قام به رامز في البرنامج هي تصرفات نرجسية وسادية مريضة مما قد تتسرب للعقل اللاواعي للمشاهد وخصوصا لفئة الأطفال والشباب من غير وعي منهم وذلك يؤدي إلى:
- ان يترجم بطرق مختلفة الى عنف حقيقي او تنمر بالفعل او بالكلام في وقت لاحق من حياتهم.
- قد يمارس أحدهم عنفاً من باب الفضول او التقليد والذي يؤدي الى خسائر غير محمود عقباها.
فكما يحذر المختصين من الألعاب الإلكترونية العنيفة او التي توثر على عقل ونفسية الطفل. فالموضوع هنا أكبر تأثيراً وأكثر عمقاُ وتعقيداً وذلك لموافقة الأهل على مشاهدة البرنامج في الاجتماع العائلي والضحك سوية على تصرفاته. وهذا ما يشعر الطفل بتأييد الأهل له، ويدور في رأس الطفل ان رامز شخصية محبوبة مرضي عن ما يفعل من اهلي ووالدي، فلم لا أكون مثل ذلك الشخص يوماً ما.
في كتاب سيكولوجية العنف للكاتب كولون ولسون والذي درس سلوك وسيكولوجية المعفنين والمجرمين عبر الزمن وبحث في الكثير من الأسباب والدوافع للمجرمين في ارتكاب جرائمهم يقول الكاتب ان المجرم عبارة عن طفل كبير ويبحث عن رغباته وبشكل سهل ومختصر، هو كذلك صوت للطفل الذي يحب ان يصل للرغبات التي يريدها بأسرع طريقه، فكل شي يجب ان يكون أسرع وأسهل وامتع لك وكل شي يأتي بشكل سريع وغير مبرر وسهل. وهذا ما وجدته في رغبات (رامز) و من خلال تعليقاته وتصرفاته.
وأشار ولسون ان المجرم يبدأ اجرامه بشكل غير متعمد وصغير وتافه الى ان يدمن هذا السلوك، ثم يتطور أكثر وأكثر. والمعنفين هم اشخاص منغمسين في ذواتهم بل واكد ان أبرز دوافع الأجرام في عصرنا الحالي بخلاف العصور السابقة، هو حب الشهرة وان يكون تحت الأضواء وان يكون محور الكون والحياة. ومثلها في قصة أشهر قاتل متسلسل في أمريكا في سبعينات القرن الماضي وهو تيد بندي Ted Bundyوالذي فاجأ الجميع بعد اكتشافهم له حيث كان يبدو شاباً وسيماً ولطيفاً للغاية، ومحبوباً من الجميع، ولكنه قام بأبشع الجرائم على الإطلاق وله فلم وثائقي شهير على قناة نتفلكس.

ولا ننكر انه بعد ذكر كل هذه الأمثلة، فستضل تخرج لنا الكثير من المشاهد وبشكل يومي، ولم نستطيع ايقافها او منع مشاهدتها عن الصغار او غير الواعين، وهنا بعض الحلول التي اجدها مجدية في التعامل مع أولادنا او من هم معنا من غير الواعين حولنا لمساعدتهم لفهم الحقيقة.
- تحمل المسؤولية الوالدية او التربوية التوجيهية ان ينمو لدينا جيل واعي قادر على التميز بين الخير والشر، الصح والخطأ.
- المشاركة: أن نشاهد معهم البرنامج ثم يكون لنا رأي حكيم في إيضاح اهداف ونوايا صناع الأفلام والبرامج المادي البحث.
- الحوار: أن نحاورهم ونستمعإلى وجهة نظرهم ونرى ابعاد فكرهم حيال الموضوع، ليتم تنظيف اللاواعي في الوقت المناسب باستبدال أي فكرة خاطئة بالفكرة الصحيحة
- التصرفات: ألا نستهين بأي عمل صغير مثل التعليق بعدم التأييد، او تغيير القناة او إطفاء التلفزيون تعبيراً منا على الاستياء او عدم الموافقة.
- الأسلوب المناسب: فللأطفال الأصغر سناً نستعين بالقصص او بأمثلة مثل شخصيات ديزني الشريرة والطيبة وان الشر موجود لا محالة منه، لكن الحق دائما سينتصر في النهاية.
- المراقبة: فيما لو بدت أي تصرفات عنيفة من الطفل تجاه اخوته وأصدقائه، ومحاولة معرفة الأسباب بالحديث الهادي معه.
- الحب: الحب دائماً هو الحل في أي حاله تواجهنا من اولادنا و القبول و الاهتمام و الاحتضان لكل من افراد العائلة هو شي في غاية الأهمية وهو سلاح وعلاج مهم.
وأخيراً أقول ان هدفي من عمل هذه المقارنة بين المعنفين ليس الا لنشر الوعي بين الأفراد عن مفهوم وسيكولوجية العنف، لان معتقدات الأعلام والسوشال ميديا في هذه الأيام لها اختراق وتأثير عظيم قادر على ان تبني صروحاً في أذهانهم وتكون وتشكل شخصيات وهوياتهم المستقبلية. وكيف يكون لنا دور نحن الآباء والأمهات او المربين والمهتمين بالتوعية والتثقيف، أثراً بالغاً في توصيل وتمرير المعلومة الصحيحة عما يحدث في مسلسل المشاهدات التي يشاهدونها يومياً في التلفزيون او في قنوات التواصل الاجتماعي، فبالوعي والحوار المتبادل الهادئ نبني هويات سليمة وعقول مفكرة تغير مجرى حياتهم الى الأفضل بإذن الله تعالى.
نهلة سليمان السماعيل