نشرت تحت تصنيف المقالات

الكتابة: سمٌّ أم دواء؟

اليوم فقط قررت أن أعود إلى الكتابة؛ إلى تلك المساحة التي لطالما شعرت أنها موطني الأول.
الكتابة التي وُلدتُ وفي دمي حبٌّ لها، كأنها ميراث خفيّ ورثته عن أبي، أو جنيةٌ صغيرة تسكن رأسي، تلهمني تلك الكلمات المسترسلة التي تصفّف الجمل في هدوء، ثم تغزو بنات أفكاري لتستخرج منهن ما اختبأ وتراكم في زوايا الذاكرة لسنوات.

في عالم الكتابة، أهم ما ينبغي أن يتعلمه الكاتب هو أن يكتب بلا حكم.
أن يترك الكلمات تنساب كما هي، دون أن يقسو عليها بتقييمٍ مبكر، أو يحاكمها على جودتها، أو يحاكم نفسه على استرسالها. فالكتابة، في لحظتها الأولى، ليست محكمة نقد، بل مساحة حرية. إن بدت عادية فذلك حسن، وإن بدت رائعة لاحقًا فذلك أمر يُكتشف بعد أن تهدأ العاصفة.

الكتابة في جوهرها تفريغ؛
إما أن تُلقي سمومك في الورق، أو أن تبث فيه دواءك.
مزاجك يختار، وزمنك يختار، وعمرك يختار، وكذلك ظروفك الاقتصادية والسياسية. حتى أوهامك النفسية، وخيباتك، وسقطاتك، وإسقاطاتك على نفسك وعلى الآخرين، جميعها تختار نوع الكتابة التي تخرج منك.

فللكتابة أعمار، كما للإنسان أعمار.
هناك كتابة طفولية بريئة، وهناك كتابة متمردة على كل قانون، تصرخ في وجه العالم. وهناك كتابة فوضوية غوغائية، لا تريد سوى أن تثبت للناس — أو للآخرين، أو لنفسها قبل الجميع — أنها موجودة.

لكن ما أجمل تلك الكتابة المتزنة؛
التي تولد حين يتشابك صوت العقل مع نبض القلب.
كتابة لينة وقاسية في آنٍ واحد، طريّة وشهية، تصل إلى القلوب دون استئذان. كلماتها تبدو كأنها قادمة من مكان أعلى من الأرض، من طبقة أصفى في الروح.

وفي المقابل، هناك كتابة أخرى، قابعة في زوايا العقل المظلمة؛
كتابة تصرخ، وتزمجر، وتعاتب كل ما كتبته من قبل. كتابة تسخر منك، وتكره تصرفاتك، وتشكك في كل ما يدور حولك.

فأي نوع من الكتابة يسكنك؟

ربما هي تلك الكتابة التي تهدم الفوضى في داخلك، ثم تعيد ترتيب روحك وجسدك من جديد. تلك التي تعيد للنفس طمأنينتها وكينونتها التي ضاعت بين ضجيج الأيام.
الكتابة التي تكنس الأصوات المتراكمة في الرأس، وتخرجها كما يُخرج المشط ما علق في الشعر من شوائب؛ فتغدو نظيفًا من نوعٍ آخر.

نظافة لا ترى بالعين، لكنها تُشعر بها الروح.
فلا تعود تلك الأصوات تحكّ رأسك بإزعاجها، ولا تزعجك، ولا تزعج الآخرين.

هكذا تفعل الكتابة حين تكون صادقة:
تُفرغك… ثم تعيدك إلى نفسك أخفَّ مما كنت.

أفاتار غير معروف

المعلق:

مستشارة في لبية - لايف كوتش تخصص علاقات انسانية - كاتبة و مهتمة بالنفس البشرية والمرأة و مدربة لمنهج رحلة المرأة _ Lady Voyage

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *